السيد مهدي الرجائي الموسوي

221

المحدثون من آل أبي طالب ( ع )

أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن ، يرتّلونه ترتيلًا ، يعظون أنفسهم بأمثاله ، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة وتارة ، يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، ويمجّدون جبّاراً عظيماً ، ويجأرون إليه جلّ جلاله في فكاك رقابهم هذا ليلهم . فأمّا نهارهم ، فحلماء علماء بررة أتقياء ، برأهم خوف بارئهم ، فهم أمثال القداح يحسبهم الناظر إليهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، أو خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربّهم وشدّة سلطانه أمر عظيم ، طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى اللّه تعالى بالأعمال الزاكية ، لا يرضون بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل ، فهم منهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إن ذكر أحدهم خاف ممّا يقولون ، وقال أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي ، اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيراً ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، فإنّك علّام الغيوب ، وساتر العيوب ، هذا . ومن علامة أحدهم أن ترى له قوّة في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً على علم ، وفهماً في فقه ، وعلماً في حلم ، وكيساً في رفق ، وقصداً في غنىً ، وتحمّلًا في فاقة ، وصبراً في شدّة ، وخشوعاً في عبادة ، ورحمة للمجهود ، وإعطاءً في حقّ ، ورفقاً في كسب ، وطلباً في حلال ، وتعفّفاً في طمع ، وطمعاً في غير طبع أي : دنس ، ونشاطاً في هدىً ، واعتصاماً في شهوة ، وبرّاً في استقامة ، لا يغيّره ما جهله ، ولا يدع إحصاء ما عمله ، يستبطئ نفسه في العمل ، وهو من صالح عمله على وجل ، يصبح وشغله الذكر ، ويمسي وهمّه الشكر . يبيت حذراً من سنة الغفلة ، ويصبح فرحاً لما أصاب من الفضل والرحمة ، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما إليه تشره ، رغبةً فيما يبقى ، وزهادة فيما يفنى ، قد قرن العمل بالعلم ، والعلم بالحلم ، يظلّ دائماً نشاطه ، بعيداً كسله ، قريباً أمله ، قليلًا زلله ، متوقّعاً أجله ، خاشعاً قلبه ، ذاكراً ربّه ، قانعة نفسه ، عازباً جهله ، محرزاً دينه ، ميتاً داؤه ، كاظماً غيظه ، صافياً خلقه ، آمناً من جاره ، سهلًا أمره ، معدوماً كبره ، ثبتاً صبره ، كثيراً ذكره ، لا يعمل شيئاً من الخير رياءً ، وما يتركه حياءً ، الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، إن كان بين الغافلين كتب في الذاكرين ، وإن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين . يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، قريب معروفه ، صادق قوله ،